foto-master.com
الرئيسية المجتمع المنتديات الجديدة المنتديات القديمة المدونات Download
Home : البداية ثقافة الصورة لقاءات وحوارات شريف سرحان - "غزة حرب" ... سيرة مدينة
شريف سرحان - "غزة حرب" ... سيرة مدينة

حاوره عاطف أبو سيف وتغريد بليحة

شريف سرحان (1976) يعرف كيف يقترب من الـمشهد، عيناه تلتقطان غزة من حيث نتوقع ومن حيث لا نتوقع، وهو يعرف أن قسوة الحياة في غزة لا يمكن أن تعفينا من البحث عن الجمال فيها، كما يقول شريف في هذا الحوار. غير أنه في فيلـمه الأخير (غزة حرب) الذي عُرض في جاليري الـمينا بمدينة غزة، نهاية الأسبوع الـماضي، اختار أن يقترب من غزة من جهة الحرب الـمستمرة والدمار الذي يأكلها، وهو بهذا يقترح أن هذه الـمقاربة تحرضنا مرة أخرى على التذكر؛ كي لا تنسينا مشاكلنا الداخلية حقيقة الـمأساة، إلا أن شريف يذهب أبعد من ذلك حيث إن خلف هذا الدمار جمالاً لـم يمض ولـم ينته بعد، وهو دافع يكفي للبحث عنه.

 

 

(غزة حرب) يثير مجموعة من الأسئلة التي تتعلّق بغزة كمكان، وبحالة الحرب الـمستمرة التي تعيشها منذ عشرات السنين، وكأنه يقترح أن حالة الحرب ملازمة لغزة ولا يمكن تخيلها دون ذلك، كيف جاءت الفكرة ؟

بدأت الفكرة منذ الوهلة الأولى لـمقتل عائلة الطفلة هدى غالية على شاطئ بحر غزة، فبعد الحدث مباشرة توجهت إلى ثلاجة الـموتى في الـمشفى وكنت أول شخص يصل إلى الثلاجة، وقتها لـم أكن أعرف لـماذا توجهت إلى هناك؟ وماذا سأفعل؟ ولكنني ذهبت وكنت أتخيل أنه مشهد عادي كما نرى في الـمرئيات ونشرات الأخبار، ووقتها لـم تسمح إدارة الـمشفى إلا بدخول الصحافيين وعند فتح الثلاجة تغيرت الرؤى فشاهدت أشلاء لجثث أطفال ووقتها أصبت بصدمة، ولكنني لـم أستطع التراجع أو الإقدام على تصوير الـمشهد، ولكنني تماسكت وبدأت بالتصوير وكأنني أسابق الزمن والتقطت صوراً كثيرة وعندما عدت إلى الـمنزل تملكني غضب من بشاعة الجريمة، وفي اليوم التالي ليوم الـمجزرة ذهبت إلى الجنازة وبعد ثلاثة أيام ذهبت إلى مكان الحدث على شاطئ البحر؛ لفحص الـمكان وجس حسه. أردت أن أشعر بالـمكان. ما إن وصلت حتى بدأ الناس يشرحون ما حدث ومنذ تلك اللحظة قررت أن أنتج شيئاً عن حالة الحرب في غزة دون الارتكاز إلى الصبغة الإعلامية. لقد تراجعت وكالات الأنباء عن عرض الصور لقوتها وحدتها. أنا صورت مئات الصور الصادمة وكان لزاماً علي أن أعمل على اختيار الـمناسب منها، ومن هنا بدأت أقلل من حدة الصور وأفكر فيما سأقدمه للجمهور كفنان وفي الوقت نفسه حاولت ألا أصدم الـمشاهد كما صُدمت أنا وعرضت فقط صورتين للحدث في الفيلـم وفي الكتاب.

 ماذا تبقى من حكاية هدى غالية في الفيلـم؟

 لـم يتبق الكثير، بقيت الفكرة، سأعترف ... وراء هذا مجموعة من الأسباب. أولاً، أنا حاولت عمل شيء له علاقة بحياتنا الفلسطينية وليس من الضروري أن أقوم بعمل ذلك عبر عرض صور مباشرة فقط عن هدى غالية. أنا أخذت الفكرة وطرت بها. لذلك لا تجد في الفيلـم أكثر من ثلاث صور لعائلة هدى غالية. كان عندي شعور قوي بالواجب تجاه ما رأيت. لكن كان عندي، أيضاً، اعتبارات فنية. ولكن، أيضاً، كان في الأمر قليل من سوء الحظ فالـمادة الـمصورة التي كنت أحتفظ بها ضاعت ولـم أستطع إرجاعها. بعد ذلك عملت على تصوير لحظات الحرب في غزة، كنت كنت أركز على تفاصيل الناس في بيت العزاء ولحظة ارتكاب الجريمة والـمنزل الذي خلا من أصحابه وحركة الناس في مكان الحدث. 

 الصور ومشاهد الفيديو لا تخلو من قسوة وهي صادمة ومفزعة. ربما الواقع كذلك، لكن الفيلـم كان من الشدة والقسوة بحيث آلـم الحضور.نعم، كان هناك احتجاج من البعض حيث قالوا: "إنت ليش بتذكرنا بجريمة بشعة فاتت" والبعض الآخر قال: "كتير منيح إنك ذكرتنا بهاي الجريمة إلي ارتكبها الاحتلال لأن الشعب نسي وغرق في الـمشاكل الداخلية" ومن وجهة نظري أرى أن الـمشاهد جاءت في الوقت الـمناسب لأننا أصبحنا لا نرى إلا خلافات داخلية بين الفصائل ولا نسمع إلا قتل ابن هذا الفصيل، ونسينا صراعنا مع الاحتلال الإسرائيلي.

كأننا نسينا!أنا أريد ألاّ ننسى. أريد أن نتذكر. علينا أن نتذكر دائماً. أنا لا أقول إننا نسينا تماماً، لكن من الـمهم أن لا ننسى، ومن الـمهم أن نتذكر. لذلك كان جزءاً من غايتي توثيق هذه الجرائم للتاريخ؛ لأننا كما قلت ذهبنا باتجاه الصراع الداخلي ونسينا أو تناسينا صراعنا مع العدو والهدف الآخر؛ لإن الناس في قطاع غزة نسوا ما فعلته قوات الاحتلال من جرائم فكان نوعاً من التذكار لأنني لـم أنس صور النساء اللواتي يشيعن 35 شهيداً، والسيدة التي تصرخ على ويلات عائلة العثامنة في بيت حانون. أنا لـم أستطع أن أنسى. على الرغم من أن وكالات الأنباء والـمؤسسات الصحافية لديها مخزون من هذه الصور أكثر مني، كفنان بدأت العمل على جمع هذه الصور منذ سنتين فقط ولكن هم هدفهم بيعها أما هدفي فهو توثيقها في عمل فني يستطيع أن يكون أكثر من نشرة أخبار.

 هناك اختلاف في طريقة معالجة الفنان للصور، ومعالجة الـمصور الصحافي ...بالطبع تختلف عينا الصحافي عن عيني الفنان في اختيار الـموضوعات والـمعايير التي يضعونها في بعض الحالات بمعنى أنه ليس من الضروري كفنان أن يصبح الكادر البشري جزءاً رئيسياً في التقاط الصورة وهذا على عكس ما تنشده عينا الصحافي فيجب أن يكون الكادر البشري هو الأساس فأنا أستطيع تصوير باب فقط كدلالة على شيء؛ فلـم أكن أبحث عن تصوير صراخ وآهات سيدة تم تدمير بيتها بل أكتفي بتصوير صور الدمار الذي حل بها وعينيها وهما تنظران إلى الركام فحاولت أن أوصل الرسالة بطريقة أخرى وأيضاً أنا لا أخرج في وقت الحدث مباشرة بل يمكنني الانتظار ساعات وأحياناً أياماً أما الصحافي فيجب عليه أن يخرج في وقت الحدث.

 وما الذي تريد قوله في (غزة حرب)؟

الصورة هي أقرب شيء للإنسان فالبعض يكون مع الـمباشرة في العمل بالرغم من حدته وشدته، وآخرون مع التجريد أو عدم الوضوح؛ فأقوم بدوري كفنان بتلبية وجهتي النظر فأعمل توازناً مع طبيعة العمل وبالطبع يختلف ما أقدمه لـمستوى معين من الناس عمّا أقدمه لآخرين بحسب قدراتهم وثقافاتهم وهذا الفيلـم يخاطب كل الناس وسيتم عرضه في أكثر من مكان خارج قطاع غزة فهو يقدم مادة عن طبيعة ما يحدث في قطاع غزة دون تجميل أو تزييف.الفترة التي كتبت فيها الفيلـم كانت غزة فيها تعيش مشاكل واجتياحات ومنها أصبح في مخيلتي ترابط بين الحرب وغزة فأسميته (حرب غزة) وعندما قمت بتوزيع الدعوات للعرض تخيل البعض أن ما يعرضه الفيلـم هو ما حدث من صراع بين الفصائل الفلسطينية وحرب الإخوة الفرقاء ولكن الحقيقة أن كتابة الفيلـم سبقت أحداث الصراع الداخلي بشهرين.

 لو كانت كتابة الفيلـم بعد الصراع الداخلي ... هل ستشير إليها في الفيلـم؟ ولـماذا؟

بالتأكيد لا؛ لأنني لا أريد أن أكون جزءاً من هذه العملية ولـم أرغب في الدخول في الصراع الداخلي سواء بالتصوير أو الرسم أو غير ذلك. إضافة إلى أنني دائماً كنت أقوم بإرسال صور ونقل ما يحدث على الساحة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي على الأرض إلى أصدقاء لي في كل بلدان العالـم سواء أجنبية أوعربية وفجأة أرسل إليهم صراعاً داخلياً، هذا سيسيء لي كفنان وكفلسطيني، فيكفي ما تعرضه وسائل الإعلام، فالقضية الفلسطينية يكفيها ما أصابها.

 
الكتاب يبدأ بصورة بانورامية لغزة من الحبر تبدو فيها غزة جميلة مثل أي مدينة ساحلية كبرى في العالـم ثم تبدأ مشاهد الدمار والخراب والبيوت الـمهدمة.نعم.. وفي الفيلـم نفس البداية فكأن هناك حكاية تحكى دون راوٍ، فبدأت بغزة الجميلة وفيها مساحة من العمار والعطاء، وفجأة تدخل الاجتياحات وتسحق البنايات ويسقط الجرحى والشهداء وتتغير غزة وتصبح غير جميلة على الرغم من أنها من أجمل الـمساحات البصرية من أعلى، ولكن إذا نزلت إلى أرض الواقع ترى الدمار والخراب بعد الخضار. وأنا ركزت على الـمساحة ولـم أرغب في إدخال الناس في مناظر الدمار مباشرة بل عرضت لهم غزة الجميلة وغزة بعد الانسحاب ثم العدوانية البالغة من قبل الإسرائيليين وما لحق بغزة كمكان جميل من دمار.

 غزة جميلة رغم أنك اخترت وجهها القاسي؟

هي جميلة وأنا أحبها رغم ما قلته عن قسوة وحرب ودمار. حتى حالة الحرب تستدعي التذكير بهذا الجمال كي لا ننساه. ربما يكون مشروعي الـمستقبلي العمل على غزة الجميلة بالرغم من عبثيتها وهلهلتها، أحب جمالها وتفاصيلها اليومية والحياة العادية بها وليس من الضرورة أن يكون فوق مستوى الناس وبالطبع أنا لا أستطيع البعد عنها.

 
كيف ستصبح غزة جميلة بعد (غزة حرب)؟

يمكنها أن تصبح جميلة عندما أبحث عن الصور الجمالية فيها بعيداً عن الدمار، وأنا أعتبر غزة بركاناً من الأفكار والـمواضيع التي لابد من العمل على إبرازها وتسليط الضوء عليها، ولكنها بحاجة إلى بحث دؤوب. ولكن رغم ذلك، التركيز الأساسي في فيلـمك الحالي كان على الدمار الذي لحق بالـمكان لأنني عندما نزلت إلى الشارع بعد اجتياح بيت حانون الذي استمر لأكثر من أسبوعين كنت أصل إلى أطراف البلدة ثم أعود إلى الـمشفى وأنا أتخيل أنه مجرد اجتياح عادي ولـم يكن هناك شيء يبث من داخل الـمدينة ولـم يكن الصحافيون على اطلاع بما يحدث بين ثناياها، ومن شدة الدمار لـم أستطع الاقتراب أبعد من مدخل البلدة، فكان الـمشهد مرعباً لدرجة أنني تخيلت إعصاراً أو بركاناً مسح معالـمها. تخيل أن يكون الشارع لا يتسع في الأساس إلا لـمرور سيارة صغيرة وتدخل فيه دبابة... ماذا يلحق به؟ وبالطبع كان موسم الشتاء، فأضاف إلى الـمشهد تغييراً دراماتيكياً ومأساوياً فكنت أركز على مشهد البيوت وكنت أبحث عن صور الدمار بالرغم من الحركة الـمستمرة التي كانت عليها الـمنطقة وأهلها.

(غزة حرب) يأتي بعد أربعة أفلام، هناك قلق ما يربط هذه الأفلام ببعضها يتمثل في البحث عن معادل موضوعي لحالة، فيما هو بحث عن سيرة مفقودة، وهو يفترق عن بقية أفلامك من ناحية تقنية ففيه تمازج بين الفيديو أرت وبين الفيلـم الوثائقي صحيح، هذا النوع من الأفلام أول مرة أنتجه فهو لا علاقة له بفيلـم الفيديو أرت ولا بالفيلـم الوثائقي فهو يقع بين الاثنين لذلك أعتبر هذا الفيلـم تجربة جديدة وعلاقته بالأفلام السابقة أن أغلبها تتحدث عن غزة منها فيلـم (من ... وإلى) وله علاقة بتسجيل يوميات غزة كنشرة أخبار وفيلـم (مشهد آخر) يتحدث عن غزة بشكل مختلف من فوقها وتحتها وبشكل دائري وتدور الكاميرا حول الـمكان وبأوقات مختلفة وفيلـم (ليل ... نهار) وفيلـم (رايح جاي) يتحدثان عن الطريق من غزة إلى رفح وهو عبارة عن مشهد مضغوط وكأنك ضغطت الناس ومعاناتهم، وضغط الـمكان معادل لضغط الناس ونرى مناطق تلامس بها البيوت بعضها، وكلها جزء من البحث عن الـمكان وهذا يظهر بشكل مباشر أو غير مباشر. كما كنت عرضت منذ فترة مجموعة صور يوميات الـمدينة وهي عبارة عن "اسكتشات" يومية تتناول الصيادين وباعة الكعك الـمتجولين ومصلح الأحذية. كانت تتناول تفاصيل الحياة وكنت أسجل هذه اليوميات على شكل صور جمعتها على مدار أربع سنوات وهي عبارة عن 24 صورة اخترتها من بين آلاف الصور. ألا توجد مجازفة في البحث عن شكل للعمل الفني؟ ربما، لكن للفيديو أرت مفاهيمه الـمختلفة وصوره الـمختلفة، أيضاً، ومن الـممكن أن تعالجه بإحدى الطرق الـمعروفة والفيلـم الوثائقي يذهب باتجاه سيناريو وصور وحوارات، أما هذه النوع فهو يقع بين الاثنين فهو جديد وجيد، والأهم أنني رأيت أنه يناسب ما أبحث عنه من أفكار.

 ماذا بعد (غزة حرب)؟

نعم هناك بعد فيلـم (غزة حرب) فيلـم (مجرد مخيم) والفكرة هنا بالخامة التي أعمل بها أي أعمل بالرسم اليدوي بعيداً عن الكاميرا وفكرته الأساسية تقول إنه من الصعب أن تتخيل مخيماً للاجئين الفلسطينيين بلا (حبل الغسيل) ومن هنا أجسد الشباك وتحته حبل الغسيل، وهي ظاهرة تجدها في كل الـمخيمات الفلسطينية سواء بالداخل أو الخارج "الشتات" فهو عبارة عن واجهة الـمخيم. ومن ملاحظاتي في هذا الشأن أنك إذا أردت أن تعرف نوع الناس الذين تتعامل معهم "انظر إلى حبل الغسيل" وبذلك أصبحت أتجول في جميع الـمخيمات وبالطبع كل عناوينها حبل الغسيل إما على الحائط تحت الشباك أو على سطح الـمنزل بالقرب من البراميل السوداء الكبيرة الـمنتشرة فوق الأسطح أو فوق ألواح الأسبست. بدأت أرسم ومن ثم أقوم بتجريد العمل محاولاً ملامسة معاناة الناس من خلال حبال غسيلهم. حبل الغسيل في الـمخيم أصبح مرآة للناس. لاحظ أنهم يضعون الـملابس ذات الألوان الجميلة في الأمام والـمهلهلة البائسة في الخلف فهي عبارة عن أماكن متشابهة بكل التفاصيل وحياة الناس متشابهة في الـمخيم حتى لو اختلفت الأرض والبلاد ومن هنا انطلقت الفكرة.

التعليقات (0)


إظهار/إخفاء التعليقات

أضف تعليق

يرجى منك الدخول للتعليق.اذا لم تكن مسجلا.يرجى التسجيل.

busy