foto-master.com
الرئيسية المجتمع المنتديات الجديدة المنتديات القديمة المدونات Download
Home : البداية مصادر تعلّم كتب فوتوغرافية حكم التصوير الفوتوغرافي للشيخ وليد بن راشد السعيدان
حكم التصوير الفوتوغرافي للشيخ وليد بن راشد السعيدان

بسم الله الرحمن الرحيم

تحميل كامل الكتاب

 إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ، ونعـوذ بالله من شـرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضـل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراَ أمـا بعـد : -
فإن من المسائل التي كثر النـزاع فيها في هذه الأزمنة مسألة " التصوير الفوتوغرافي " وذلك أن بعض العلماء رفع الله له الدرجة، وأجزل له الأجر والمثوبة ، وغفر لميتهم ، وثبت أحياءهم قد اختار – اجتهاداً – جوازه بأدلة ذكرها . وهو ما اختار ذلك إلا بعد بذل الوسع والطاقة في النظر في الأدلة ، وقد تقرر في القواعـد أن من بذل ما في وسعه فإنه يكتب له – فضلاً – تمام سعيه ، وأن المجتهد دائر بين الأجرين أو الأجر ، فلله دَرُّ هذه الشريعة ، ما أعدلها ، وما أعظم شأنها ، فرحم الله العلماء رحمة واسعة ، ورفع نزلهم ، فكم لهم من الأثـر الطيب علينا ، إلا أنه ينبغي التنبيه على أن الكمال المطلق لله تعالى ، وللبشر مطلق الكمال ، وفوق كل ذي علم عليم ، والحـق يقبل ممن جاء به ، والباطل يرد ممن جاء به ، والرجال يوزنون بما معهم من الحق ، لا أن الحـق يوزن بالرجال ، والحر تكفيه الإشارة ، وسواه يدعى بالنداء العالي .

وإن هذه المسألة التي نحن بصدد شرحها هي مما جاءت به الشريعة بالبيان الواضح ، والنص الجلي ، والله أعلم .

وقد دلت الشريعة على وجوب رد الأمـر المتنـازع فيه إلى الكتاب والسنة لمعرفة الحق ، فقال تعالى  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  ( ) .
والكلام عليهـا من وجـوه : -
الأول : قوله  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ  هذا شرط وقوله  فِي شَيْءٍ  نكرة وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق الشرط تعم ، فهذا يقضي بأن أي مسألة تنازعنا فيها فإننا مأمورون بردها إلى الكتاب والسنة ، ومن أخرج مسألة من المسائل وقال لا نردها للكتاب والسنة ، فقد أخرجنا من هذا العموم ، وقد تقرر في القواعد أن الأصل هو البقاء على العموم حتى يرد الناقل .
الثاني : في قوله  فَرُدُّوهُ  فإن هذا صيغة أمرٍ ، وقد تقرر في الأصول أن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب إلا بقرينة صارفة ، ولا قرينة هنا ، فالواجب هو البقاء على الأصل وفي ذلك دليل على وجوب هذا الرد ، فليس هو أمراً اختيارياً إن شئت فرد ، وإن شئت فلا ترد ، فإن هذا هو محض الهوى ، والعياذ بالله ، والله أعلم .
الثالث : قوله  إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَـوْمِ الآخِرِ  فعلق الإيمان بهذا الرد ، وقد تقرر في القواعد أن كل فعل نفى الله الإيمـان عن فاعله فلحرمتـه ، وكل فعل نفـي الله الإيمـان عن تاركه فلوجوبه ، فدل ذلك على أنه لا يتحقق كمال الإيمان الواجب إلا بهذا الرد ، ويؤيده قوله تعالى  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  ( ) .
فقضية رد الأمور المتنازع فيها إلى الله ورسوله  قضية فاصلة بين المؤمنين والمنافقين ، فإن المنافقين لا يريدون التحاكم إلى الله ورسوله ، وإن زعمـوا أنهم آمنـوا بما أنزل إلى النبي  ، وما أنزل من قبله ، وإنما هم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، كما قال تعالى فاضحاً مقاصدهم ، ومظهراً خفايا نفوسهم ، وخبث ما انطوت عليه قلوبهم  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا  ( ) .
فحقيقة الإيمـان هو في قوله تعالى :  فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  . وحقيقة النفاق هي في قوله  يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ  .
فأي الفريقين أحب إليك ؟ فإن الله هو الغني الحميد ، ونحن الفقراء إليه جل وعلا ، فلما ثبت وجوب الرد إلى الكتاب والسنة علمنا يقيناً أن فيها الأمر الفاصل فيما تنازعنا فيه ، والله أعلم .
والمقصود أن مسألة التصوير الفوتوغرافي من هذه المسائل التي يجب أن ترد للكتاب والسنة حتى يعرف حكم الله فيها .
ومن قال : لن أردها للكتاب والسنة .
فنقول له : فهذا الحائط فاضرب به رأسك ، لا بارك الله فيك .
وخطابنا في هذه الوريقات ليس لك أصلاً ، وإنما هو للعقلاء من بني آدم ممن آمنوا بالله رباً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمدٍ  نبيناً ورسولاً .
وأما أشباه الأنعام فحقهم الحظائر ، ولا كرامة لمن دعا المسلمين برد المتنازعات لغير كتاب ربهم وسنة نبيهم  .
الرابع : في قوله تعالى  ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً . فهذا فيه إخبار بأن هذا الـرد هو الخير كل الخير ، والسلامة كل السلامة ، وهو أحسن عاقبة ، وهذا أمر محسوس مجرب ، فإن الضلال إنما هو في اتبـاع السبل المعوجة المخالفة للصراط المستقيم ، والمنهج القويم .
وهذه المسألة التي نحن بصدد الكلام عليها إن كنا نريد الخير وحسن العاقبة فيها ، فلنردها للكتاب والسنة .
وفقنا الله وإياك لكل خير ، وجعل عواقبنا آيلة إلى خير ونسأله جل وعلا أن يبصرنا بالحق ، ويوفقنا لاتباعه ، إنه خـير مسئول وهو حسبنا ونعم الوكيل ، والله أعلم .
وقد أجمع العلماء – رحمهم الله تعالى – على أن الرد لله هو الرد لكتابه ، وأن الرد للرسول  هو الرد إليه نفسه في حياته ، والرد إلى سنته الصحيحة بعد مماته ، والله أعلم .


فإن قلت : إن التصوير الفوتوغرافي لم يكن معروفاً في عهد النبي  ولا في عهد الصحابة ، ولا القرون المفضلة ، ولا تكلم عليه السلف ، وإنما هو قضية جديدة ، فكيف تقول : نردها للكتاب والسنة ؟
فأقـول : هذا هو مفترق الطرق بين أصحاب الفروع ، وأصحاب القواعد والأصول ، فإنني وفي مناسباتٍ كثيرة أنبه دائماً أن طلب العلم على طريقة معرفة الأصول والقواعد بأدلتها وإجادة التفريع عليها أنها هي الطريقة السليمة ؛ لأنها طريقة القرآن ، وأن حفظ الفروع الفقهية المتناثرة التي لا يجمعها أصل ، أو قاعدة ، أو ضابط ، أنه قصور في الطالب ، فإنك إن أخرجته عن فروعه التي حفظها ، فَغَرَ فاه ، وطأطأ رأسه ، ولم يأت فيها بشيء ، وهذا قصور واضح ، وأما من طلب الأصول والقواعد، وحفظها وعرف أدلتها ، وأجاد التفريع عليها ، فإنه لا يقف في وجهه – بتوفيق الله وفضله – شيء من الوقائع الجديدة ؛ لأن الأصول معه .
فنصيحتي لطلاب العلم أن يحرصوا على القواعد الأصولية الحرص الكامل ، فبقواعد الأصول نيل المأمول ، فالله الله بـ " تخريج الفروع على الأصول " للإمام الزنجاني ، و " التمهيد في تخريج الفروع على الأصول " للإمام الأسنوي ، و " القواعد والفوائد " للإمام ابن اللحام .

وأن علم الأصول في الديار النجدية يشكو شيئاً من الهجر ، وعزوف الطلبة عنه ، وذلك مرجعه لأسبابٍ ذكرتها في كتابي " تحرير القواعد ومجموع الفرائد "
والمقصود : - أن الشريعة كاملة ؛ لقوله تعالى  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا  ( ) .
وقال تعالى  مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ  ( ) .
وقد فسـر الكتاب بأنه القـرآن ، وفسـر بأنه اللـوح المحفوظ ، ولا تناقض بين القولين ، فيحمل عليهما، وقد تقرر في الأصول أن اللفظ إذا فسر بتفسيرين لا تنافي بينهما حمل عليهما .
فقوله  مِنْ شَيْءٍ  نكرة جاءت في سـياق النفـي ، وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي تعم . فكل شيء ففي القرآن حكمه ، إما نصاً ، وإما تضمناً ، وإما التزاماً .
فالقرآن أعطانا القواعد العامة ، والأصول الجامعة ، فلا تخرج مسألة من المسائل عنه ، ويعرف ذلك من تدبره .
فمسألة التصوير الفوتوغرافي داخلة في هذا العموم ، فحكمها في الشريعة واضح جلي بالدليل الصحيح الصريح كما ستراه إن شاء الله تعالى وإنما الإشكال يقوم في ذهن المجتهد الذي ينظر في الأدلة ، فضلاً عن أن بعض المجتهدين قد يثير من الإشكالات والشبه ما يكون مكدراً صفو الأدلة .

وعلى كل حال فمسألة التصوير الفوتوغرافي وإن كانت جديدة الوقوع ، إلا أنها قديمة التأصيل ، فالشـريعة صالحـة لكل زمان ومكان ، والموفق من وفقه الله تعالى للعلم النافع والعمل الصالح . جعلنا الله وإياك منهم ، وهو أعلى وأعلم .




إذا علمـت هذا وفهمته فهمـاً جيـداً فإليك التفصيـل في مسألة التصوير الفوتوغرافي ، فأقول وبالله التوفيق ، ومنه أستمد الفضل بحسن التحقيـق :
اعلم – أرشد الله لطاعته – أن التصوير لا يخلو من حالتين :
إما تصوير شيء لا روح فيه كالشجر والماء والثمار والجبال والبيوت ونحوها ، وإما تصوير شيء له روح كالإنسان أو الحيوان .
فأما الأول : فلا كلام لنا فيه إذ هو كلمة عموم أهـل العلم ، ولا أعلم فيه خلافاً ، إلا خلافاً شاذاً .
والذي يدل على جواز تصوير ما لا روح فيه عدة أمور:
منها : قوله  (( من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ )) . فدل ذلك على أن ما لا روح فيه أصلاً لا بأس بتصويره ، وإنما الوعيد منصب على ما له روح .
ومنها : قوله  (( إن الذين يصنعون هذه الصـور يعذبون يوم القيامة يقال لهم : أحيوا ما خلقتم )) . فدل ذلك على أن ما لا حياة فيه لا يدخل في هذا الوعيد، وإنما الوعيد منصب على ما تحله الحياة الحيوانية.
ومنها : قول جبريل عليه والصلاة السلام للنبي  (( فمـر برأس التمثال يقطع فيصير كهيئة الشجرة )) . رواه أبو داود ، وأصله في مسلم فدل ذلك على أن الصورة على هيئة الشجرة لا محظور فيها ، والعلة في ذلك أنها ليست بذات روح ، فقسنا عليها جميع ما لا روح فيه .
ومنها : أن تصوير ما لا روح فيه لا يؤدي إلى المحظـور الذي من أجله حرمت الصورة .
ومنها : حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه جاءه رجـل يسأله فقال : " إني رجل أصور هذه الصور ، فأفتني فيها " فقال له : ادن مني ، فدنا منه حتى وضع يده على رأسه ، وقال " أنبئك بما سمعت من رسول الله  ، سمعت من رسول الله  يقول (( كل مصور في النار يجعـل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم )) ، ثم قال ابن عباس رضي الله عنهما " فإن كنت لابد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له " متفق عليه . ووجه الشاهد منه أمران : الأول : أنه قال " يجعل له بكل صورة صورها نفس " فدل ذلك على أن الوعيد مقصور على ما له نفس .
ويبينه الوجه الثاني : وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما : " فاصنع الشجر وما لا نفس له " ، وهو قول صحابي لم يخالف نصاً ، ولم يخالفه صحابي آخر ، فهو حجة على القول الراجح كما تقرر في الأصول .
فدلت هذه الأدلة على جواز تصوير ما لا روح فيه ، كما هو قول جماهير أهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله، والله أعلم .

وأما إذا كانت الصورة لما له روح فهذا لا يخلو من ثلاث حالات :
الأولى : إما أن تكون من الصورة التي لها ظـل ، وذلك كأن يأتي الإنسان إلى حجرٍ مثلاً ، أو خشبةٍ ، أو صلصالٍ ، أو زجاجٍ ونحوه ، ثم يصيغه على هيئة شيء له روح ، فهذا النوع محرم بالإجمـاع فيما أعلم ، والله أعلم ، وذلك كما يفعله المشركون بأصنامهم ، فإن أصلها كانت صخوراً لا تشكيل فيها ، ثم أخرجوها على هيئة الآدميين ، وكما فعله عبَّاد العجل ، فإنهم عمدوا إلى الذهب والفضة والجواهر ، فصاغوها على هيئة عجل له خوار ، ففتنوا به أمة الثـيران .
فهذا النوع لا يتوقف أحد في تحريمه ، بل هو أساس شرك العالم .
ففي الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى  وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا  ( ) قال : " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم : أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً ، وسموها بأسمائهم ففعلوا ، ولم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عبدت " . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد قال : حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبَّ إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهـم ، وبهم يستسقون المطر ، فعبدوهم " .
وفي الصحيح أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله  كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور ، فقال عليه الصلاة والسلام (( أولئك إذا مات فيهم الرجل أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً ، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل يوم القيامة )) .
قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فهؤلاء جمعوا بين فتنتين فتنة القبور ، وفتنة التماثيل " اهـ .
قلت : بل وسائر الأدلة الآتية – إن شاء الله – يدخل فيها هذا النوع دخولاً أولياً ، فلا نطيل فيه ، وذلك لعدم المخالف فيه، والله أعلم .



والحالة الثانية : ما يسمى اليوم بتصوير الرسم ، وهو أن يعمد الإنسان إلى خرقةٍ ، أو جدارٍ ، أو ورقةٍ ونحوها ، فيرسم بيده صورة من ذوات الأرواح ، وهذا النوع من الصور لا ظل له ، فهذا النوع أيضاً محرم لكنه أخف تحريماً من النوع قبله ، لكن يشتركان في أن كلاً منهما محرم ، والدليل على تحريمه جميع الأدلة الآتية – إن شاء الله – في الحالة الثالثة ، فإنه يدخل فيها دخولاً أولياً .
ومن أدلته النصية : ما رواه مسلم – رحمه الله – في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان لنا ستر فيه تمثال طائر ، وكان الداخل إذا دخل استقبله فقال لي رسول الله  (( حولي هذا )) .
ومثله ما في صحيح البخاري عنها رضي الله عنها أنها قالت : (( دخل عليَّ رسول الله  وقد سترت سهوةً لي بقرام فيه تمثال فلما رآه هتكه وتلون وجهه ، وقال يا عائشة : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذي يضاهون بخلق الله )) ، ومن المعلوم أن هذا التمثال الذي كان في القرام لم يكن له ظل ، وإنما هو مما خُط باليد، وقد فعل به النبي  ذلك، ثم أخبر بوعيد من فعل ذلك ، فهذا يدل على حرمة تصوير ذوات الأرواح بالرسم باليد .
ومن الأدلة النصية أيضاً : أنه  لما فتح الله عليه مكة دخل الكعبة فرأى فيها صوراً ، ومن هذه الصور صـورة إبراهيـم وإسماعيل عليهما السلام ، وهما يستقسمان بالأزلام ، فقال عليه الصلاة والسلام : (( قاتلهم الله لقد علموا أنهما ما استقسما بها قط )) رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في مسنده ، وزاد الهيثمي في المجمع (( فجعل يبل ثوباً بالماء ويمحو تلك الصور )) ، وصححه الألباني – رحمه الله تعالى – وأصله في الصحيح .
فلم يقرها  مما يدل على عدم جوازها ، وهي مما رسم باليد ولا ظل لها ، وعلى كل حال فهذا النوع محرم في قول جماهير أهل العلم ، ولا عبرة بالمخالف ، بل وينكر عليه خلافه هذا ؛ لأن المسألة هنا خلافية قد نصر الدليل الصحيح أحد طرفيها ، وليست هي من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف – أعني المسائل الاجتهادية – ذلك أن المسائل عندنا ثلاثة أقسام :
مسائل اتفاقية ، ومسائل خلافية ، ومسائل اجتهادية .
فأما الأولى والثانية ، فينكر على المخالف فيها ، وأما الثالثة فلا ، وهي المرادة بقول البعض " لا إنكار في مسائل الخلاف " فإنهم يعنون بها القسم الثالث ، وللمسألة موضع آخر .
والمقصود : أن هذا النوع من التصوير محرم في قول غالب أهل العلم والله أعلم .





الحالة الثالثة : التصوير بالآلة ، وهو المعروف بالتصوير الفوتوغرافي ، وهو بيت القصيد من هذه الكتابة فأقول : -
قبل أن نبدأ في سياق الأدلة المبينة لحكمه ينبغي أن ننتبه لأمـرٍ مهم جداً وهو أن الصورة الفوتوغرافية تدخل في مسمى الصورة لغةً وعرفاً .
فأما تسميتها صورة لغةً فلأن الصورة في اللغة هي الشكل ، والصورة الفوتوغرافية يقال لها : شكل ، فإذاً هي صورة لغة .
وأما عرفاً : فلأن هذا هو ما تعارف عليه الناس فيما بينهم من غير نكير ، فالكل يطلق على الصورة الفوتوغرافية " صورة " ويسمي آخذها " مصوراً " ، بل ويقول أهل العرف : ذهبنا للمصور ، فأخذ لنا صورة ، ويقول أصحاب الدوائر الحكومية في شروطهم للمقبولين : لابد من صورة شمسية أو ملونة مقاسها كذا في كذا ، وهذا أمر مشهور معروف لا ينكره – إن شاء الله أحد - . فثبت بذلك أن الصورة الفوتوغرافية تدخل في مسمى الصورة لغة وعرفاً .

فإذا علمت ذلك فاعلم أنها أيضاً تدخل في مسمى الصورة شرعاً ، وبيان ذلك يأتي في الأدلة إن شاء الله تعالى ، فأقول : -
اختلف العلماء في هذا النوع من التصوير على قولين :
فمنهم من منعها ، وهم الأكثر ، وعلى رأسهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز ، والشيخ المحدث العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني ، رحمهم الله تعالى ، وأعلا نزلهم ، وجمعنا بهم في الجنة ، وهذا القول هو الذي عليه الفتوى في هذه الديار السعودية زادها الله شرفاً ورفعة ، وحماها من كل سوءٍ وبلاءٍ ، ووفق قادتها لكل خير وصلاح ، وسدد خطاهم .
والقول الثاني : - أن التصوير الفوتوغرافي جائز ، وممن قال بهذا القول سماحة الوالد الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله تعالى – وبعض العلماء ، ولكل أدلته التي ستأتي إن شاء الله تعالى .
إلا أن الراجح هو القول الأول ، ورجحان هذا القول عندي مما لاشك فيه ، ولا اضطراب ، بل هو في مرتبة غلبة الظن المنـزلة منـزلة اليقين وذلك لتوافر الأدلة الشرعية الصحيحة الصريحة على رجحانه وتوافقه مع مقاصد الشريعة ، والقواعد الأصولية .
وإليك تفصيل الأدلة مخرجة على قواعدها ، فأقول وبالله التوفيق : -
من الأدلة على ذلك : ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله  يقول (( كل مصور في النار يجعل له بكل صورةٍ صورها نفس يعذب بها في جهنم )) .

فعندنا في الحديث عـدة أمـور : -
الأول : لفظة ( كل ) فإنها من أقوى صيغ العموم ، فيدخل تحتها كل المصورين ، وقد تقرر في الأصول : أن الأصل هو البقاء على العموم حتى يرد المخصص ، فيدخل في هذا الوعيد الشديد كل مصور سواء بالنوع الأول ، أو الثاني ، أو الثالث ، فإننا قد تقرر عندنا أن لاقط الصورة الفوتوغرافية يسمى مصوراً عرفاً ، ومن أخرجه من هذا العموم فعليه الدليل ؛ لأنه مخالف للأصل ، وقد تقرر في القواعد أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه .
الثاني : - قوله ( يجعل له ) فإن هذا إثبات ، وقوله ( صورة ) نكرة ، وقد تقرر في القواعد أن النكرة في سياق الإثبات مطلقة ، وتقرر أيضاً أن المطلق يجرى على إطلاقه ولا يقيد إلا بدليل .
فالـذي يقيد هذا بالنوع الأول والثاني فقط دون الثالث فإننا نقول له : قد قيدت المطلق فما دليلك على هذا التقييد ؟
فالصورة الفوتوغرافية تدخل في مسمى الصورة لغة وعرفـاً ، فلماذا أخرجتها من هذا الإطلاق ؟
الثالث : قوله ( يجعل له بكل صورة ) فإن قوله ( كل صورة ) أيضاً يفيد العموم ، فالعموم الأول في المصورين ، والعموم الثاني في الصور ، فيدخل تحتها الصور الفوتوغرافية ، ومن أخرجها من هذا العمـوم فعليه الدليل ، والله أعلم .

ومن الأدلة أيضاً : ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه من حديث أبي الهياج الأسدي أنه قال : قال لي علي بن أبي طالب  : ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله  (( أن لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته )) ، فقوله ( لا تدع ) نهي أو نفي كلاهما بمعنى واحد ، وقوله ( صورة ) نكرة ، وقد تقرر في القواعد أن النكرة في سياق النهي والنفي تعم ، فيدخل تحت هذا العموم ما يطلـق عليه مسمى الصورة ، وقد تقرر لنا أن الصورة الفوتوغرافية تدخل في مسمى الصورة لغة وعرفاً ، فتدخل في هذا النوع شرعاً ، ومن أخرجها منه فعليه الدليل ، ولا أعلم دليلاً شرعياً يخرجها من هذا العموم ، وإنما هو قياسات لا أصل لها ، مع مصادمتها للنصوص الصحيحة الصريحة، فحيث لا دليل فالواجب هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل والله أعلم . فحق الصور الفوتوغرافية أن تطمس إلا ما سيأتي استثناؤه إن شاء الله تعالى والله أعلم.
ومن الأدلة أيضاً : قوله  (( إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورين )) رواه مسلم ، فقوله ( المصورين ) جمع دخلت عليه الألف واللام الاستغراقية ، وقد تقرر في القواعد أن الألف واللام الاستغراقية إذا دخلت على الجمع أو المفرد أفادت العموم ، فيدخل في ذلك كل المصورين ، ومن ذلك آخذ الصور الفوتوغرافية فإنه من جملة المصورين ، وذلك هو مقتضى اللغة والعرف والشرع ، والذي يخرجه من هذا العموم عليه الدليل ولا دليل . إذاً فالبقاء على العموم هو المتعين تعظيماً لكلام الله تعالى ، والله أعلم .

ومن الأدلة أيضاً : ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى (( أن النبي  نهى عن ثمن الدم ، وثمن الكلب ، وكسب البغي ، ولعن آكل الربا وموكله ، والواشمة والمستوشمة ، ولعن المصور )) .
والشاهد في قول الراوي ( ولعن المصور ) ، فهو مفرد دخلت عليه الألف واللام الاستغراقية المفيدة للعموم ، فيدخل تحت هذا العموم كل مصور ، فهم ملعونون بلعنة النبي  ، ومن أخرج مصوراً من هذا العموم فعليه الدليل . فالمسألة إذاً خطيرة ، فالواجب الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة النصوح المستجمعة لشروطها من الإقلاع عن الذنب فوراً ، والعزم على عدم العودة ، والندم على ما فات ، والإخلاص ، وأن تكون في زمن الإمكان ، وكل أوقات العمر زمن صالح للتوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها ، أو تغرغر الروح ، نسأل الله أن يمنَّ على الجميع بالتوبة الصادقة ، فكلنا ذوو خطأ ، والله أعلم .
ومن الأدلة أيضاً : قوله  (( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه تمثال أو صورة )) فقوله ( لا تدخل ) نفي ، وقوله ( صورة ) نكرة ، وقد تقرر أن النكرة في سياق النفي تعم ، فيدخل في ذلك كل صورة ، والصورة الفوتوغرافية تسمى صورة لغة وعرفاً وشرعاً ؛ لأنها داخلة تحت هذا العموم ، والعام يجب أن يبقى على عمومه ، ولا يتعرض له بتخصيص بعض أفراده إلا بدليل ، فأين الدليل الدال على إخراج الصور الفوتوغرافية من هذا العموم ؟ هذا ما لا سبيل إليه ، ولا دليل عليه ، فحيث لا دليل ، فالبقاء على العموم هو المتعين ، والحمد لله على السلامة فلماذا نتكلف التنقل وقد أراحنا الله منه ، والله أعلم .
ومن الأدلة أيضاً : قوله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم (( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة ، يقال لهم : أحيوا ما خلقتم )) . والمراد بالصورة هنا العموم ؛ لأنها – أي الصور – جمعٌ دخلت عليه الألف واللام الاستغراقية ، فيدخل في هذا العموم كل الصور سواءً كان لها ظل ، أو لم يكن ، ومن ذلك الصور الفوتوغرافية .
فبالله عليك ما الذي أخرجها من هذا العموم حتى نقول إنها جائزة ؟
وقد كنت في مجلس بعض الفضلاء ، والأحبة الكرماء النبلاء ، الذين نحسبهم من العلماء ، والله حسيبهم ، ولا نزكي على الله أحداً ، فقال كلمة يا ليته ما قالها ، لكن أظن أنها سبقة لسان غير مقصودة ؛ لأن المجلس كان مزدحماً ، والسائلين كثير ، والإنسان يخطئ ويصيب ، والمعصوم من عصمه الله ، والمقصود أنه قال : إن الأصل في التصوير الحل والإباحة ، لأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة .
قلت : أما قوله : " الأصل في الأشياء الحل والإباحـة " فإنه كلام لا غبار عليه ، لكن يحتاج إلى قيد مهم جداً يتضح به الكلام ، وهو قول العلماء : " إلا بدليل " ، أي أن الأصل في كل الأشياء أنها حلال ومباحة إلا ما دل الدليل على إخراجه من الحل والإباحة إلى الحرمة ، ومن ذلك باب التصوير بأنواعه ، فإن الأدلة الشرعية السابقة واللاحقة إن شاء الله تعالى تدل دلالة صريحة على تحريمـه ، والتشديد فيه ، والتوعـد على فعله، فكيف نقول : إن الأصل في التصوير الحل والإباحة ، لكن كلٌ يؤخذ من قوله ويُترك إلا قول صاحب الشريعة  .
فأسأل الله تعالى أن يهدينا وإخواننا سواء السبيل ، وأن يوفقنا للحق وقبوله ، إنه خير مسئول ، والله أعلم .

ومن الأدلة أيضاً : ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن النبي  أنه قال في العنق الذي يخرج من النار يوم القيامة أنه يقول (( إني وكلت اليوم بثلاثة ، بكل جبارٍ عنيد ، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر ، وبالمصورين )) قال الترمذي : حديث حسن غريب صحيح ، وله شاهد عند الإمام أحمد من حديث عطية العوفي . ووجه الدلالة منه : أنه جعل هذا الوعيد عاماً على كل مصور ، ولم يستثن أي مصور ، ولا نوعـاً من الصور ؛ لأن الألف واللام الداخلة على الجمع تفيد العموم ما لم تتقدم قرينة عهد ، ولا قرينة هنا ، والأصل هو البقاء على العموم حتى يرد التخصيص .
واللاقط للصور الفوتوغرافية مصور لغة وعرفاً ، فيدخل في هذا العموم شرعاً ، ومن أخرجه فعليه الدليل ، والله يتولانا وإياك .
ومن الأدلة أيضاً : ما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله  (( أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله )) ، وفيهما أيضاً من حديث أبي هريرة  قال : قال رسول الله  : قال الله تعالى (( ومن أظلم ممن ذهـب يخلـق كخلقي فليخلقوا ذرة ، أو ليخلقوا حبة ، أو ليخلقوا شعيرة )) ، ومن المعلوم أن ما يخرج في الصورة الفوتوغرافية مطابق تماماً لما هو الواقع ففيه المضاهاة ظاهرة، بل أظهر من المضاهاة بالتصوير بالنحت ، أو الرسم باليد ، فإن هذه قد تختلف في أشياء عن الحقيقة .

أما الصورة الفوتوغرافية فإن المضاهاة فيها واضحة ظاهرة ، فتكون أولى بالنهي .
وإن لم يسلم لنا ذلك فنقول : إن التصوير ليس تحريمه من أجل المضاهاة فقط ، بل لعللٍ أخرى سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى ، وهي متحققة في الصور الفوتوغرافية ، والله أعلم .

ومن الأدلة أيضاً : قوله  (( الصورة الرأس ، فإذا قطع فلا صورة )) أخرجه البيهقي ، وصححه الإمام الألباني رحمهما الله تعالى .
فهذا بيان نبوي فاصل لحقيقة الصورة ، فقال ( الصورة ) وهذا لفظ عام ، ثم بينها بقوله ( الرأس ) ، والصور الفوتوغرافية داخلة في هذا العموم ؛ لأنها يظهر فيها الرأس ، فالمعتبر في الصورة الرأس .
فانظر يا رعاك الله إلى الصور الفوتوغرافية المنتشرة في هذا الزمن هل فيها رأس أو لا ؟
الجواب : هذا مما لاشك فيه ، فإذاً هي صورة لهذا الحديث الصحيح.
فمن قال : ليست هي بصورة مع وجود الرأس فيها .
فنقول له : شفاك الله وعافاك من كل سوءٍ ومكروه ، ولا بأس عليك كفارة وطهور إن شاء الله ، والله أعلى وأعلم .
ومن الأدلة أيضاً : قول جبريل للنبي  (( إنا – أي الملائكة – لا ندخل بيتاً فيه كلب أو صورة )) وهذا العموم يدخل فيه الصورة الفوتوغرافية ؛ لأنها صورة لغة وعرفاً ، فهي صورة شرعاً ، والعام يبقى على عمومه إلا بدليل ، والله أعلم .

فهذه الأدلة تفيد إفادة قطعية إن شاء الله تعالى حرمةَ الصور الفوتوغرافية إلا ما استثناه الدليل كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .




وقد دلت القواعد الشرعية العامة على صحة هذا القول وبيانها كما يلي : -
القاعدة الأولى : قاعدة سد الذرائع المفضية إلى الممنوع.
فإن المنهيات في الشريعة قسمان : منهي عنه لذاته ، ومنهي عنه لأنه وسيلة إلى المحرم ، فتصوير النحت والرسم محرم لذاته ، والتصوير الفوتوغرافي محرم أيضاً ، لكن هل هو محرم لذاته كصاحبيه ؟ أو هو محرم لأنه وسيلة إلى المحرم ؟ وعلى كلا القولين فهو حرام ، فإنك إذا نظرت إلى هذه الصور الفوتوغرافية بعين العدل والإنصاف وجدت أن الناس قد توسعوا فيها توسعاً بعيداً ، بل بعضها بلغ مرتبة التعظيم ، كصور الملوك ورؤساء البلد في بعض الأقطار ، فإنها قد وضعت في كل مكان في الوزارات ، والإدارات الحكومية ، والمؤسسات العامة والخاصة ، وكأنها أصبحت شعاراً لتعظيم الولاة ، وأن من لا يعلقها فإنه مغموز عليه ، متهم في ولائه لولاة الأمر ، وهذا ليس هو الميزان الشرعي في تعامل الرعية مع الراعي ، فإن طاعة الولاة أمر عقدي مهم قد سطره أهل السنة والجماعة في كتبهم ، وليس من ذلك تعظيم صورهم .

ومن ذلك صور الأموات فإن بعض الناس إذا مات له أب ، أو أخ ، أو صاحب ، علق صورته ، وجعل عليها شيئاً من السواد ، فكلما رآها تجددت أحزانه ، بل وبعضهم إذا وقع في مصيبة فإنه يقف أمام الصورة يخاطبها وكأنها تراه وتسمعه ، وهذه طامة لا مخرج منها إلا بسد هذا الباب سداً محكماً كما اقتضته الأدلة ، فالقول بتحريم التصوير الآلي متوافق تماماً مع قاعدة سد الذرائع المفضية إلى ما هو ممنوع ، والله أعلم .
القاعدة الثانية : اتقـاء المتشابهات .
ففي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : قال رسول الله  (( الحلال بيِّن ، والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مشتبهات ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام … الحديث)) متفق عليه . فالقاعدة في المتشابهات هو اتقاؤها بمعنى تركها واجتنابها ، والتصوير الفوتوغرافي إن سلمنا أنه ليس من الحرام البيِّن فلا أقل من أن يكون من قسم المتشابهات التي ندبنا نبينا  إلى اتقائها استبراءً لديننا وعرضنا ، وهذا لا يكون إلا بالقول بالمنع من الصور الفوتوغرافية ، فإن كانت من الحرام البيِّن فلا كلام ، وإن كانت من قسم المتشابه ، فقد اتضح حكمها ولله الحمد والمنة .
إذاً القول بالمنع من الصور الآلية متوافق مع قاعدة اتقاء المتشابهات أتم موافقة ، والله أعلم .
القاعدة الثالثة : الخروج من خلاف العلماء .
فإنه قد تقرر أن فعل ما اتفق عليه العلماء أولى من فعل ما انفرد به أحدهم ما أمكن ، وهذا لا يتم إلا إذا قلنا بالمنع من الصور الفوتوغرافية ، ففي تركها مطلقاً خروج من خلاف العلماء ، والله أعلم .
القاعدة الرابعة : قاعدة حفظ المال :
فإن الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ الضروريات الخمس وهي : الدين ، والعقل ، والنسل ، والمال ، والنفس . وقد دلت الأدلة على أن إنفاق المال فيما لا طائل من ورائه ، ولا فائدة تجنى منه ، لا يجوز .
وهذه الصور الفوتوغرافية لا تخلو من حالات :
أما أن تتخذ للتعظيم فهي محرمة ، وإما أن تتخذ للذكري فهي كذلك وإما أن تدعو إليها الضرورة ، فيجوز زمنها ما تندفع به الضرورة ، وإما أن لا يكون ثمة مقصد لمتخذها .
فنقول : هذا تضييع للمال فيما لا طائل من ورائه ، ولا فائدة تحته ، وقد دلت الأدلة على أنه لا يجوز ، فتركه واجب ولا يتم ذلك إلا بالقول بمنع هذه الصور ؛ لأنه قد تقرر في القواعد أن ما لا يتم ترك الحرام إلا به، فتركه واجب ، وفعله محرم .
فالقول بمنع مثل هذه الصور متوافق مع قاعدة حفظ المال كل الموافقة والله أعلم .
والخلاصة : أن القول الراجح في الصور بالآلة التحريم ، إما تحريم مقاصد ، وإما تحريم وسائل ، والله ربنا أعلى وأعلم .





وبعد استقراء الأدلة وجدنا أن الشريعة الإسلامية – زادها الله شرفاً ورفعةً – حرمت التصوير لذوات الأرواح بأنواعه لعدة أمور : -
منها : كون تصوير ذوات الأرواح مفضٍ إلى تعظيمها ، والغلو فيها وربما جر ذلك إلى عبادتها ، ولاسيما إذا كانت الصور لمن يحبهم الناس ، ويعظمونهم ، سواءً كان ذلك التعظيم تعظيم علم وديانة ، أو تعظيم سلطانٍ ورياسة ، أو تعظيم صداقة وقرابة ، فمثل هؤلاء تكون الفتنة بتعليق ، أو نصب صورهم في المجالس ونحوها من أعظم وسـائل الشرك والضلال .
ومنها : أن فيها مضاهاة لخلق الله تعالى ، وتشبيه فعل المخلوق بفعل الخالق سبحانه .
ومنها : أن صناعة صور ذوات الروح المحرمة واتخاذها فيه مشابهة واضحة بفعل من كانوا يصنعون الصور والتماثيل ، سواءً كان المصور قاصداً التشبه بأولئك أم لا ، فمجرد صناعته للصورة ، أو استعمالها على وجهٍ محرمٍ بنصبٍ ، أو تعليق ، أو نحو ذلك يكون حاله شبيهاً بحال المشركين ومقلديهم الذين كانوا يصنعون الصور ويضعونها في معابدهم تقديساً وتعظيماً لها . ومعلوم أن من مقاصد الشريعة قطع دابر المشابهة بالكفار والمشركين فيما كان من عبادتهم وعاداتهم .
والأحاديث في ذلك متواترة تواتراً معنوياً ، وقد استوفاها الشيخ تقي الدين أبو العباس في كتابه الكبير " اقتضاء الصراط المستقيم " والله أعلم .
ومنها : كون صور ذوات الروح مانعة من دخول الملائكة ، وفيها تبذير ، وإضاعة للمال إلا فيما أخرجته الضرورة ، فهذا مما يبين لك جلياً إن شاء الله تعالى رجحان القول بالتحريم ، والله أعلم .



إذا ثبت لك ذلك فأقول : إنه مما عمت به البلوى في هذه الأزمنة تصوير ما تدعو إليه ضرورة التعريف بالنفس، كبطاقة الأحوال، والرخصة والشهادة ، ونحوها ، فهذا مما عمت به البلوى ، ولا مخرج للإنسان منه ، فحينئذٍ تقدر الضرورة بقدرها ، فيباح منها القدر الذي تندفع به الضرورة وقد كتب لي بعض الأحبة أنه يوجد في بلاد الغرب التعريف بالنفس عن طريق البصمة ، وأنها أضبط من التعريف بالصورة .
فقلت : إذا ثبت هذا فهو شيء حسن ، لكني لا أعلمه مستخدماً في ديارنا ، فإذا أثبته ولي الأمر ، فالضرورة حينئذٍ إلى التصوير مندفعة ، لكن إذا لم يقر في البلاد ، ولم يأذن به ولي الأمر ، فنبقى على التصوير الآلي إلى ارتفاع الضرورة، والله يرفعها عاجلاً لا آجلاً ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ومن جملة الضرورات أيضاً : التصوير الجنائي ، وهو استخدام الصورة في محال الجريمة ، والكشف عن مرتكبيها ، وهذا داخل تحت قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " ، وقاعدة " لا محرم مع الضرورة " وقاعدة " الضرورات تقدر بقدرها " ، بل إن استخدام هذه الصور في بعض الحالات الجنائية واجب ؛ لأنه لا تكشف الجريمة ، وتؤخذ الحقوق لأصحابها إلا بذلك ، وقد تقرر في القواعد أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .
وعلى ذلك فقس ، فما دعت إليه الضرورة أو الحاجة المنـزلة منـزلة الضرورة من هذه الصور الآلية فإنه يجوز منها ما تندفع به الضرورة ، والله ربنا أعلى وأعلم .



اعلم – رحمك الله تعالى – أن الذين قالوا بجواز التصوير الفوتوغرافي قد استدلوا بأدلة خالية من الاستدلال الشرعي ، وإنما هي استنباطات وقياسات ، ومن باب العدل أذكرها مع الإجابة عليها فأقول : -
قالوا – رحمهم الله تعالى – : إن التصوير الفوتوغرافي ليس في حقيقته تصويراً بمعنى أنه ليس هو التصوير الذي جاءت الأدلة بالنهي عنه والوعيد عليه ، فإن الأدلة فيها لفظ ( صوَّر ) و ( مصوِّر ) بالتشديد أي جعل هذا الشيء على صورة معينة ، فمادة ( صوَّر ) تقتضي أن يكون هناك فعل في نفس الصورة ، ومعلوم أن نقل الصورة بالآلة لم يحصل فيه من المصور أي عمل في هذه الصورة ، فلم يحصل منه تخطيط فيها ، ولا رسم ، ولا زيادة ولا نقص حتى يكون مضاهياً خلق الله ، وإنما هو سلط الآلة على المصوَّر فانطبع بالصورة خلق الله على الصفة التي خلقها الله عليها ، فهو إذاً حبس للظل ، وعكس له ليس إلا ، فلا يكون داخلاً في عموم أدلة التحريم – كذا قالوا - .
والجواب عن ذلك من وجـوه :
منها : أنه اجتهاد في مورد النص والقاعدة تقول : لا اجتهاد مع النص ، فدلالة النصوص السابقة واضحة لا تحتاج إلى اجتهاد ، وعمومها يقضي بدخول الصور الفوتوغرافية ، ومثل هذا الكلام لا يكون مخصصاً لها .
ومنها : أنه قياس صادم عموم النص ، وقد تقرر في القواعد أن كل قياس صادم النص فهو باطل .
ومنها : أننا لا نسلم أن المصوِّر لها لم يعمل شيئاً ، بل هو قد صدرت منه أعمال كثيرة قد تفوق أعمال من يرسم ، ولا عبرة بالمباشرة ، أي ليس التحريم مرتبطاً بمباشرة اليد للصورة نفسها ، فإن توجيه الآلة ، وضغط الزر ، وإخراج الصورة سوداء ، ثم وضعها في سائل التحميض ، ثم خضخضتها ، ثم تنشيفها كل ذلك عمل يعمله المصوِّر للصور الآلية ، فيكيف نقول أنه لم يعمل شيئاُ .
ومنها : سلمنا أنه لم يصدر منه أي عمل ، فإنه لا أثر للاختلاف في وسيلة التصوير وآلته في الحكم ، وإنما العبرة بوجود الصورة فقط ، فمتى وجدت وكانت لذات الروح ، وجد الحكم وهو التحريم ما لم تدع لذلك ضرورة كما مضى ، وكذلك لا أثر للجهد المبذول في إخراج الصورة في الحكم فسواء بذل المصوِّر جهداً شاقاً ، أو لم يبذل جهداً أصلاً فإن هذا لا تأثير له في الحكم ، وإنما المعتبر في ذلك كله وجود الصورة لذات الروح وإن اختلف وسيلة إنتاجها ، والجهد الذي يبذل فيها ، وقد تقرر في القواعد أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً .
ومنها : سلمنا أن علة المضاهاة في الصورة الفوتوغرافية قد انتفت فهل بالله عليك قد انتفت العلل الأخرى التي تقدم ذكرها . فإن كل علة منها تقتضي التحريم بمفردها ، فكيف وقد اجتمعت كلها ، فاللهم إنا نسألك هداك والعمل بما يرضيك ، والتوفيق لما هو الحق والصواب ، وهو أعلى وأعلم .
وقالوا أيضاً – رحمهم الله ، وعفا عنهم وغفر لهم - : إن التصوير الفوتوغرافي شبيه تماماً بالصورة التي تظهر في المرآة أو الماء أو أي سطح لامع ، ولا يستطيع أحد أن يقول إن ما يظهر على المرآة والماء ونحوها حرام ؛ لأنه صورة ، وأن من فعل ذلك مصوراً ، فكذلك التصوير الفوتوغرافي ، كذا قالوا .
فنقول : - إن القياس يفتقر إلى الاتفاق في العلة للاتفاق في الحكم ، وأنه قد تقرر في الأصول أن القياس مع الفارق باطل ، والصور التي تظهر على الماء أو المرآة ونحوها شيء غير مستقر ، وإنما يرى ويظهر باشتراط المقابلة ، فإذا ذهبت المقابلة زالت الصورة تماماً ، وأما الصور الفوتوغرافية فإنها ثابتة ومستقرة في الأوراق التي تطبع عليها ، فقياس ما هو مستقر ثابت على ما ليس كذلك قياس مع الفارق .
وأيضاً يقال : إنه لا يعرف عن أحدٍ من الناس تسمية الواقف أمام المرآة ونحوها أنه مصور ؛ لأن ذلك أصلاً ليس بتصوير لا لغةً ولا عرفاً ، فليس بتصوير شرعاً ، وأما الآخذ للصورة الفوتوغرافية فإنه مصور لغةً وعرفاً وشرعاً ، فقياس من هو مصور لغةً وعرفاً على من ليس بمصورٍ لغةً وعرفاً قياس مع الفارق .
وأيضاً يقال : - إن الواقف أمام المرآة ونحوها تخرج صورته في المرآة بلا عمل منه إلا الوقوف فقط ، فيده لم تباشر شيئاً في هذه الصورة ، وأما الآخذ للصورة الفوتوغرافية فإن يده تباشر الصورة بعمل زائد ، كتوجيه الآلة ، وضغط الزر ، وسحب الصورة ، ووضعها في سائل التحميض ، أو تحريكها في الهواء حتى تخرج الصورة ، فأين هذا من هذا ، فإن المسوِّي بينهما مسوٍّ لما فرق الله بينه .
وأيضاً يقال : - إن صورة الواقف أمام المرآة لا تحمل علة من العلل المذكورة في فصل بيان العلل ، فليس فيها مضاهاة ، ولا تعظيم ، ولا إنفاق للمال ، ولا تمنع من دخول الملائكة ، وليس فيها تشبه بالكفار، بخلاف الصورة الفوتوغرافية فإنها حاملة لهذه العلل أو لبعضها .
وأيضاً يقال : - إن صورة الواقف أمام المرآة ونحوها تتحرك بتحركه بخلاف الصورة الآلية فإنها بعد أخذها لا تتحرك بتحرك صاحبها.
فهذه الفوارق بينهما تمنع القياس ؛ لأنه قد تقرر في الأصول أن القياس مع الفارق باطل ، وتقرر أيضاً أن الشريعة لا تجمع بين مختلفين ، كما أنها لا تفرق بين متماثلين ، والله أعلم .
وقالوا أيضاً : - إنه تقرر في القواعد أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة حتى يقوم دليل المنع .
فقلنا : - نعم هو كذلك ، وقد قام دليل المنع ، وهو ما مضى من الأدلة الكثيرة ، فإنها تدل دلالة صريحة على أن الأصل في باب التصوير الحرمة ، فلا يرخص منه إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة المنـزلة منـزلة الضرورة إليه ، والله أعلم .
وبهذا يتبين لك جلياً إن شاء الله تعالى أن القول الراجح حسب الصناعة الحديثية والأصولية هو القول بتحريم التصوير الفوتوغرافي ، أو الآلي ، وهذا القول هو الذي ترتاح له النفس ، وتطمئن إليه اطمئناناً تاماً.
رزقنا الله وإياك لذة الحق قبولاً واتباعاً ، وعصمنا وإياك من الباطل ، فاللهم اهدنا للحق وارزقنا اتباعه ، وألهمنا رشدنا إنك أنت ربنا ، ولا حول ولا قوة إلا بك .
وهذا ما توصلت إليه بالنظر القاصر ، والبضاعة المزجاة على عجرها وبجرها ، فإن وجدت فيها صواباً فهو محض توفيق من الله تعالى ، وإن وجدت غير ذلك فهو من تقصيري وزللي ، فهذا ما حضرني إملاؤه على غاية من الإعجال ، والله ربنا أعلى وأعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم .
وقد تم الفراغ منه يوم السابع من شهر ربيع الثاني
عـام اثنين وعشرين وأربعمائة وألـف
من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم
والله أعلـى وأعلـم
 

التعليقات (0)


إظهار/إخفاء التعليقات

أضف تعليق

يرجى منك الدخول للتعليق.اذا لم تكن مسجلا.يرجى التسجيل.

busy